فصل: (مسألة: تلف المشترى في مدة الخيار)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: وطء الجارية المشتراة]

إذا كان المبيع جارية، فوطئها المشتري في حال الخيار، وأحبلها.. تعلق بذلك سبعة أحكام: أربعة غير مبنية على الأقوال، وثلاثة مبنية عليها.
فأمَّا الأربعة: فلا يجب على المشترى حدّ؛ لأنه يملكها في بعض الأقوال، وله شُبهة ملك في بعضها، ويكون الولد ثابت النسب منه، لأن الحد إذا لم يجب.. ثبت النسب، ويكون الولد حرًّا؛ لأن الجارية إمّا ملكه أو له فيها شبهة ملك، وهل ينقطع خيارُه بذلك؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وأمَّا المهر، وقيمة الولد، وكون الجارية أم ولدٍ.. فمبنيَّةٌ على الأقوال، ثم ينظر فيه:
فإن أمضى البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد، أو قلنا: إنّ الملك موقوفٌ.. لم يجب على المشتري المهر، ولا يلزمه قيمة الولد، وتصير الجارية أم ولد، قولاً واحدًا؛ لأن وطأه صادف ملكه. وإن قلنا: إنّ المشتري لا يملك إلا بشرطين.. فقال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: وجب عليه المهر؛ لأنّه وطئها وهي في ملك غيره.
وحكى في "المهذب"، عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يجب عليه المهر على هذا القول.
وقال المسعودي [في "الإبانة" [ق\237] في وجوب المهر على هذا القول وجهان، بناءً على أن الاعتبار في الحال أو المآل، وهل يجب عليه قيمة الولد؟ فيه وجهان بناءً على القولين في الحمل، هل له حكمٌ؟ فإن قلنا: للحمل حكمٌ.. وجبت قمتُه؛ لأنّ العلوق كان في ملك البائع، وإن قلنا: لا حكم له.. لم يجب؛ لأن الوضع في ملك المشتري، ولا تصير الجارية أم ولدٍ له في الحال، وهل تصير أم ولدٍ إذا ملكها؟ فيه قولان، بناءً على القولين فيمن استولد جاريةَ غيره بشبهة.
وإن فسخ البائع البيع، فإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بشرطين، أو قلنا: إنه موقوف.. وجب عليه المهر؛ لأنّ وطأه صادف ملك البائع، ولا تصير الجارية أم ولدٍ له في الحال، وهل تصير أم ولدٍ له إذا وطئها؟ فيه قولان. وإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد.. فهل يجب عليه المهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجبُ؛ لأن الوطء صادف ملكه.
والثاني: يجب؛ لأنها وإن كانت ملكه إلا أن حق البائع متعلق بها، ولا تصير الجارية أم ولد له على المنصوص، فإن ملكها.. صارت أم ولد له، قولاً واحدًا، وعلى قول أبي العباس: تصيرُ أم ولدٍ له في الحال، وهل يجب عليه قيمتها، أو الثمن المسمى؟ فيه وجهان، كما قلنا في العتق.

.[مسألة: نماء الجارية والبهيمة في الخيار]

فإن اشترى جارية، أو بهيمة حاملاً، فولدت في مدة الخيار.. فلمن يكون الولد؟ يبنى ذلك على أصلين.
أحدُهُما: الأقوال في انتقال الملك، وقد مضى توجيهها.
والثاني: الحمل هل له حكمٌ، أو يأخذ قسطًا من الثمن؟ وفي ذلك قولان:
أحدهما: لا حكم له، ولا يأخذ قسطا من الثمن؛ لأنه جزء متصلٌ بها، فلم يأخذ قسطًا من الثمن، كسائر الأعضاء، ولأنه لو قال لجاريته الحامل: يدك حرّة.. لعتقت، وعتق حملها، فدلّ على: أنَّ الحمل كسائر أعضائها.
والثاني: له حكمٌ، ويأخذ قسطًا من الثمن، وهو الصحيح؛ لأن ما أخذ قسطًا من الثمن بعد الانفصال.. أخذ قسطًا من الثمن قبل الانفصال، كاللبن، ولأنه لو قال لجاريته الحامل: حملك حر.. لعتق الحمل، ولم تعتق الجارية، ولو كان كعضو منها.. لعتقت الجارية، كما إذا أعتق عضوًا منها.
فإذا قلنا بهذا: فالحمل مع الأم كالعينين المبيعتين، فإن أمضيا البيع.. كانا للمشتري، وإن فسخا البيع.. كانا للبائع.
وإن قلنا: لا حكم للحمل، قال الشيخ أبو حامد: فالحكم فيه وفي الكسب واحدٌ، فينظر فيه:
فإن أجاز البيع، فإن قلنا: إنّ المشتري يملك بنفس العقد، أو قلنا: إن الملك موقوفٌ.. فالولد والكسب للمشتري؛ لأنّه حدث في ملكه. وإن قلنا: إنه لا يملك إلاَّ بشرطين.. ففيه وجهان: حكاهما ابن الصبّاغ في "الشامل":
أحدهما ـ وهو قول أكثر أصحابنا، ولم يذكر في "التعليق" غيره ـ: أن الولد والكسب للبائع؛ لأنهما حدثا في ملكه.
والثاني ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ: أنهما للمشتري تبعًا للأم. وليس بشيء.
وإن فسخا البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاَّ بشرطين، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. فالولد والكسبُ للبائع؛ لأنهما حدثا في ملكه. وإن قلنا: ينتقل الملك بنفس العقد.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنهما للبائع؛ لأنَّ عتق المشتري لا ينفذ على هذا.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنهما للمشتري؛ لأنهما نماء ملكه، ويخالف العتق، فإن العتق لا ينفذ إلاَّ في ملك تامّ، ألا ترى أن المكاتب لا ينفذ عتقه، ويتبعه ولده وإن ضعُف ملكه.

.[مسألة: تلف المشترى في مدة الخيار]

وإن اشترى عينًا بشرط الخيار، فقبضها، ثم تلفت في مدة الخيار.. فحكى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي نص في بعض كتبه: (أن البيع ينفسخ، ويجب على المشتري القيمة). وقال في (الصداق): (يلزمه الثمن). قال القاضي أبوالطيّب: ويحتمل أنّه أراد بالثمن: القيمة، ويحتمل أنّه أراد: إذا كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: يملك بنفس العقد.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الخيار لا يسقط، فإن فسخا البيع أو أحدهما.. وجب على المشتري القيمة؛ لأن العين تلفت في يده، وإن أمضيا البيع، أو سكتا حتى انقضى زمان الخيار، فإن قلنا: إنَّ المشتري ملك بالعقد، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. فقد تلف المبيع على ملك المشتري، فيستقرُّ عليه الثمن. وإن قلنا: إنّه لا يملك إلاَّ بشرطين.. ففيه وجهان:
أحدُهُما ـ وهو قول أكثر أصحابنا ـ: أنّه يجب على المشتري القيمة؛ لأنه تلف في يده، وهو ملك للبائع، فهو كالمقبوض بالسَّوْم إذا تلف في يده.
والثاني ـ حكاهُ ابن الصَّباغ عن الشيخ أبي حامد ـ: أنّه يجب عليه الثمن؛ لأنه مسمى ثبت بالعقد، فلم يسقط مع بقاء العقد، ولأن القبض إذا وقع.. استقرَّ به البيع، فلم ينفسخ بهلاك المبيع.
فال ابن الصبَّاغ: والأول أصحُّ؛ لأن المبيع إذا تلف في ملك البائع.. لا يجوز أن ينتقل إلى المشتري. وقوله: إنّ العقد يستقرُّ بالقبض، فغيرُ صحيح؛ لأنه لا يستقرّ مع بقاء الخيار. وبالله التوفيق

.[باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه]

لا يجوز بيع الكلب، سواءٌ كان معلما أو غير معلم، ولا يجب على متلفه قيمته، وبه قال الحسن، وربيعة، وحمّاد، وأحمد رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجوز بيعه، ويجب على متلفه قيمته).
وقال مالكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يحل بيعه وأخذ ثمنه؛ لأجل النهي، ويجب على متلفه قيمته).
دليلنا: ما روى أبو مسعود البدري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن».
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثمن الخمر ومهر البغي حرام، وثمن الكلب حرام، فإن جاء صاحب الكلب يلتمس ثمنه.. فاملأ كفّيه تُرابًا».
وتجوز الوصية به؛ لأن ذلك نقل اليد، واليد تثبت عليه، وهل تصح هبته؟ فيه وجهان:
أحدهما قال ابن القاص: تصح هبته.
والثاني: قال القاضي أبو الطيب: لا تصح هبته؛ لأن الهبة تمليك، والكلب غير مملوك. قال: ولعل أبا العباس أراد بالهبة: أنّها تصح على الوجه الذي تصحّ الوصية به؛ لأنه إذا نقلته إلى يد غيره على وجه التبرع.. صح، كما يصح ذلك في الوصية، ولم يكن له الرجوع في ذلك، وهذا معنى الهبة.
ولا يجوز بيع الخنزير؛ لما رُوي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الخنزير».

.[مسألة: بيع الخمر]

ولا يجوز بيع الخمر. وقال أبو حنيفة: (يجوز للمسلم أن يؤكل ذِميًّا في بيعها وشرائها).
دليلنا: ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرّم التجارة في الخمر».
وروى ابن عبّاس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاه جبريل، فقال: يا محمد، إنّ الله تعالى لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومسقيها».
وروى جابرُ بن عبد الله: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عام الفتح بمكة: «إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام"، فقيل يا رسول الله: أرأيت شُحوم الميتة فإنه يطلى بها السُّفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها؟ فقال: «لا، هو حرام"، ثم قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند ذلك: «قاتل الله اليهود، حرِّمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها". إن الله إذا حرّم أكل شيء على قوم.. حرّم عليهم ثمنه»
إذا ثبت هذا: فإن اقتناء الخمر لا يجوز؛ لما روى أنسٌ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الخمر يصنع خلا، فكرهه، وقال: أهرقها»، ولأن اقتناء ما لا منفعة فيه سفهٌ، فلم يجز.

.[فرع: بيع السرجين]

ولا يجوز بيع السرجين. وقال أبو حنيفة: (يجوز).
دليلنا: أنّه نجس العين، فلم يجز بيعه، كلحم الميتة.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويكره اقتناؤه، وتربية الزرع به؛ لما فيه من مباشرة النجاسة.
ولا يجوز بيع العذرة والبول، ولا اقتناؤهما؛ لأنهما نجسا العين، ولا منفعة فيهما، فلم يجز بيعهما، ولا اقتناؤهما، كالخمر.

.[فرع: اقتناء الكلب]

ويجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قال: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد، أو ماشية أو زرع.. نقص من أجره كل يوم قيراطان». وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروب والدكاكين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوزُ؛ لأنّ الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (لا يجوز اقتناؤه إلا لصاحب حرث، أو صيد، أو ماشية، أو ما كان في معناها)، ولأنّه اقتناه لحفظ مالٍ، فأشبه الماشية والزرع.
والثاني: لا يجوز؛ لأنّ النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خصّ الأشياء الثلاثة، فدلّ على: أنّه لا يجوز اقتناؤه لأجل غيرها. وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ»، ولأنه إذا اقتناه لحفظ البيوت، ربما تتم عليه حيلةٌ، فيكون ذلك سبب تلف ماله، بخلاف الصيد والماشية والزرع، فإنّه لا يتم للمتّخذ له حيلةٌ عليه.
وإن اقتناه رجل ليس له زرع ولا ماشية، أو كان غير صائد، لكن إن حصل له زرع أو ماشية حفظهما [به]، أو ليصطاد به إن أراد ذلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ليس بصاحب شيء من ذلك.
والثاني: يجوز؛ لأنه اقتناه لذلك، ألا ترى أنّه إذا حصد الزرع.. جاز اقتناؤه لزرع مستقبل، فأما إذا اقتنى كلب صيد، ولا يريد أن يصطاد به.. فذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" فيه وجهين:
أحدهما: يجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إلا كلب صيد». وهذا كلبُ صيد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه اقتناه لغير حاجةٍ ماسّة، فأشبه إذا كان غير ذلك من الكلاب، ومعنى الخبر في قوله: «إلاَّ كلب صيد»، أي: كلبٌ يصطادٌ به، وأمّا تربية الجرو للصيد، أو الماشية، أو الزرع.. فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز؛ لأنه ليس بكلب صيد، ولا ماشية، ولا زرع.
والثاني: يجوز؛ لأنه يكون لذلك، ولأن تعليمه لذلك. إنما يكون في حال الصغر، فلو قلنا: لا يجوز اقتناؤه لذلك.. لم يمكن اقتناؤه لذلك أصلاً.

.[مسألة: بيع الحاجات النَّجسة]

ويجوز بيع الثوب النجس، والخشبة النجسة، وما أشبه ذلك؛ لأن البيع يتناول العين، والنجاسة فيها من جهة المجاورة، فلا يمنع من بيعها.
وأمّا المائع: إذا وقعت فيه نجاسة.. فينظر فيه:
فإن كان مائعًا لا يمكن تطهيره، كالخلِّ والدِّبس واللَّبن.. فلا يجوزُ بيعه؛ لأنّها عينٌ نجسةٌ لا يمكن تطهيرها، فلا يجوز بيعها، كالخمر.
وإن كان ماء نجسًا.. فإنّه يمكن تطهيره، وهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز بيعُهُ؛ لأنّه نجسٌ حكمًا، فهو كنجس العين.
والثاني: يجوزُ بيعُهُ؛ لأنَّه يمكن تطهيره، فجاز بيعه، كالثوب النجس.
وإن كان دُهنًا.. فهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان:
أحدهما قال أبو علي في "الإفصاح": نص الشافعي على: (أنه لا يجوز بيعه). ولو أمكن تطهيره.. لجاز بيعه؛ ولأنه لا يمكن عصره.
والثاني: يمكن غسله؛ لأنه يمكن مكاثرة الماء عليه، ثم استخراجه من الماء. فإذا قلنا بهذا: فهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان، كالماء النجس.
وإذا قلنا: أنه لا يطهر بالغسل.. لم يجز بيعه، وجهًا واحدًا، ولا يجوزُ أكله، ولا الانتفاع به بالبدن، وهل يجوز الانتفاع به بالاستصباح، ودهن السفينة، وما أشبه ذلك؟ فيه وجهان، حكاهُما في "العدة":
أحدُهما: لا يجوز الانتفاع به، كما لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ.
والثاني: يجوز، وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، كما يجوز الانتفاع بالكلب للصيد، والماشية، والزرع.
فعلى هذا: ففي الدُّخان الذي يعلو من ذلك عند الاستصباح وجهان، مضى ذكرهُما في (إزالة النجاسات).

.[مسألة: الأعيان التي لا منفعة لها]

قد مضى الكلام على الأعيان النجسة، وأمّا الأعيان الطاهرة: فضربان: ضربٌ لا منفعة فيه، وضربٌ فيه منفعةٌ.
فأمّا ما لا منفعة فيه: فلا يجوز بيعه، وذلك كالأسد، والذئب، والنمر، والرخم، والحدأة، والنسر، وما لا يجوز أكله من الغراب، وكذلك الفأرة، والحية، والعقرب؛ لأنه لا منفعة فيه، فبذل المال فيه من أكله بالباطل، فإن قيل: فعندكم إنَّ جلود السباع والذئاب تطهر بالدباغ، فهلاَّ جوَّزتم بيعها لذلك؟
قلنا: تلك منفعة غير مقصودة، ألا ترى أنّ الجلد قبل أن يدبغ لا يجوز بيعه؟ فكذلك الحيوان. وهل يجوز بيع دارٍ لا طريق لها، أو بيع بيت من دار لا طريق له؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز؛ لأنّه غير منتفع به.
والثاني: يجوز؛ لأنه يمكن أن يحصل له طريقًا.
وأما ما فيه منفعة: فعلى ضربين: آدمي، وغير آدمي:
فأمّا الآدمي: فلا يجوز بيع الحرّ منهُ؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه قصمته: رجلٌ أعطى بي عهدًا ثم غدر، ورجلٌ باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفّه أجره»، ولأنه غير مملوك فلم يجز بيعه.

.[فرع: بيع أم الولد]

ولا يجوز بيع أمّ الولد، وبه قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعامّة أهل العلم.
وقال داود، والشيعة: (يجوز بيعها).
وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وحكى الطبري في "العدة": أنّ ذلك قولٌ آخر للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وليس بمشهورٍ عنه.
والدليل على أنه لا يجوز بيعها: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع أمهات الأولاد». فإن حكم حاكمٌ بصحة بيعها.. فهل يجوز نقضه؟ فيه قولان، حكاهما أبو علي السِّنجي في " شرح التلخيص " بناءً على أنّ أهل العصر الثاني إذا أجمعوا على أحد القولين بعد انقراض العصر الأول على الخلاف.. هل تصير المسألة إجماعًا؟ فيه قولان، أصحُّهما: لا تصير إجماعًا.
فعلى هذا: ينفذ حكمُهُ ولا يُنقَضُ.
والثاني: أنّ المسألة تصيرُ إجماعًا.
فعلى هذا: ينقض حكمه.

.[فرع: جواز بيع المدبر]

ويجوز بيع المدبَّر، وروي ذلك عن عائشة أم المؤمنين وعمر بن عبد العزيز.
وقال مالك: (لا يجوز بيعه).
وقال أبو حنيفة: (إن كان التدبير مقيدًا، بأن يقول: إن متُّ من مرضي هذا فأنت حرّ.. جاز بيعه، وإن كان مطلقًا، بأن يقول: إذا متُّ فأنت حرٌّ.. فإنّه لا يجوزُ بيعه).
دليلُنا: ما روى جابرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رجلاً يقال له: أبو مذكور كان له عبدٌ يقال له: يعقوب، فأعتقه عن دبر منه، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فباعه لدين كان عليه، فاشتراه نُعيم بن [عبد الله بن] النحّام). قال جابرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهو عبد قبطي مات في أول إمارة ابن الزبير»
ويجوز بيع العبد المعلّق عتقه بصفة؛ لأنه ثبت له العتق بقول السيِّد وحَده، فجاز بيعُهُ، كالمدبَّر، وفيه احترازٌ من المكاتب إذا قلنا: لا يجوز بيعه.

.[فرع: بيع المكاتب]

وهل يجوز بيع رقبة المكاتب؟ فيه قولان:
الأول: قال في القديم: (يصح البيع).
فعلى هذا: لا تبطل الكتابة، ولكن إن أدّى المال إلى المشتري.. عتق، وكان الولاء له، وإن عجز ورُقَّ.. كان مملوكًا له، وبه قال عطاءٌ، والنخعي، وأحمد، لما روي: «أنّ بريرة كاتبها أهلها على سبع أواق من الذهب، تؤديها إليهم في سبع سنين، فجاءت إلى عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تستعينُها، وشكت إليها، وأظهرت العجز، فقالت لها عائشة: إن باعوك.. عددت لهم الثمن عدًّا، فمضت إلى أهلها، فأخبرتهم بذلك، فقالوا: نبيعك على أنّ الولاء لنا، فأخبرت عائشة بذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: «اشتري، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق"، فاشترتها منهم» ولأن عتق المكاتب غير مستقر، فجاز بيعه، كالمدبر.
والثاني: قال في الجديد: (لا يصح بيعه). وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفة وهو الصحيح؛ لأن الكتابة عقدٌ يمنع السيد من استحقاق كسب المكاتب، وأرش الجناية عليه، فمنع صحة بيعه، كما لو باعه من زيد، ثم باعه من عمرو، وفيه احترازٌ من المدبر، فإنّه يستحق كسبه، وأرش الجناية عليه.
وأمّا الخبر: فقد قيل: إن بريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عجَّزَت نفسها، وكان بيعُهم لها فسخًا لكتابتها، كما أن البائع إذا باع المبيع في مدة الخيار.. كان فسخًا للأوّل، وصحّ الثاني.
ولا يجوز بيع الموقوف، سواءٌ قلنا: إنّه ينتقل الملك فيه إلى الموقوف عليه، أو إلى الله تعالى؛ لأنّه يبطل بذلك حقُّ البطن الثاني.

.[مسألة: جواز بيع ما ينتفع به]

وأمَّا غير الآدمي: مما له منفعة من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم.. فيجوز بيعه، وكذلك يجوز بيع ما ينتفع به من الوحوش، مثل: الفهد والظِّباء والغزلان، وما ينتفع به من الطيور للصيد، كالصقور والبزاة والعقبان.
قال ابن الصبّاغ: ويجوز بيع ما ينتفع بصوته من الطيور، وبيع القرد؛ لأنه ينتفع به، ولأنه يعلم أشياء فيتعلَّمها، وينتفع بها، ولأنه طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كالعبيد والجواري والخيل.

.[فرع: بيع السنور]

ويجوز بيع السنور، وروي ذلك عن ابن عبّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد رحمة الله عليهم: (أنهم كرهوا بيعه).
دليلنا: أنّه حيوان طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كالشاة.

.[فرع: لبن الآدمي]

ويجوز بيع لبن الآدميات.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: أنّه طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كلبن الشاة.

.[فرع: جواز بيع رباع مكة]

ويجوز بيع رباع مكة، وهبتها، ورهنها، وإجارتها، إلاَّ ما كان موقوفًا منها.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] فأضافها إليهم، وحقيقة الإضافة تقضي الملك.
ولما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نزل مكة.. قيل له: ألا تنزل في رباعك؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وهل ترك لنا عقيل من رباع! ". وفي بعض الروايات: وهل ترك لنا عقيل من ميراث؟!»
وأراد: أن أبا طالب مات كافرًا، وكان عقيل وطالب ابنا أبي طالب كافرين، فورثا رباعه، وباعها عقيل، وكان علي وجعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما مسلمين، فلم يرثا منه شيئا، فأضاف الرِّباع إلى عقيل، وحقيقة الإضافة تقتضي الملك، ولو كان بيع رباع مكة لا يصح.. لأبطله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأنه إجماع الصحابة ومن بعدهم، فإنهم من لدن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى يومنا هذا يتبايعونها، ويؤاجرونها، ولا ينكر عليه منكرٌ، و: (اشترى أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه دارًا بمكة من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنًا)، و: (اشترى معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من حكيم بن حزام دارين بمكة، إحداهما بستين ألف درهم، والأخرى بأربعين ألف درهم)، ولأنها أرضٌ حيّة، لم ترد عليها صدقة مؤبدةٌ.. فجاز بيعها كسائر البلاد.
فقولنا: (حية) احتراز من الموات.
وقولنا: (لم ترد عليها صدقة مؤبدة) احترازٌ من الوقف.